سكينة

تفسير سورة النِّسَاءِ، الآية ١١٣ — الطبري

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا ۝١١٣

جامع البيان — الطبري

القول في تأويل قوله : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " لا خير في كثير من نجواهم "، لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا=" إلا من أمر بصدقة أو معروف "، و " المعروف "، هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، (1) =" أو إصلاح بين الناس "، وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به.

= ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك فقال: " ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاةِ الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا "، يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس=" ابتغاء مرضاة الله "، يعني: طلب رضى الله بفعله ذلك (2) =" فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا "، يقول: فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك عظيمًا، (3) ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله " عظيمًا " يعلمه سواه. (4)

* * *

واختلف أهل العربية في معنى قوله: " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ".

فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: لا خير في كثير من نجواهم، إلا في نجوى من أمر بصدقة= كأنه عطف بـ " مَنْ" على " الهاء والميم " التي في" نجواهم ". (5) وذلك خطأ عند أهل العربية، لأن " إلا " لا تعطف على " الهاء والميم " في مثل هذا الموضع، من أجل أنه لم ينله الجحد.

* * *

وقال بعض نحويي الكوفة: قد تكون " مَنْ" في موضع خفض ونصب. أما الخفض، فعلى قولك: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة. فتكون " النجوى " على هذا التأويل، هم الرجال المناجون، كما قال جل ثناؤه: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ [سورة المجادلة: 7]، وكما قال وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [سورة الإسراء: 47].

وأما النصب، فعلى أن تجعل " النجوى " فعلا (6) فيكون نصبًا، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعًا، لأن " مَنْ" خلاف " النجوى "، (7) فيكون ذلك نظير قول الشاعر. (8)

...... وَمَــا بِالرَّبْعِ مِــنْ أَحَدِ

إِلا أَوَارِيَّ لأيـًا مَا أُبَيِّنُهــا...... (9)

وقد يحتمل " مَنْ" على هذا التأويل أن يكون رفعًا، كما قال الشاعر: (10)

وَبَلْــدَةٍ لَيْــسَ بِهَـــا أنِيسُ

إلا اليَعَـــافِيرُ وَإلا العِيــسُ (11)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، أن تجعل " من " في موضع خفض، بالردِّ على " النجوى "= وتكون " النجوى " بمعنى جمع المتناجين، خرج مخرج " السكرى " و " الجرحى " و " المرضى ". وذلك أن ذلك أظهر معانيه.

فيكون تأويل الكلام: لا خير في كثير من المتناجين، يا محمد، من الناس، إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير.

-------------------------

الهوامش :

(1) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف 3 : 371 / 7 : 105 ، وغيرهما من المواضع في فهارس اللغة.

(2) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ص: 170 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(3) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف ص: 113 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(4) انظر تفسير"عظيم" فيما سلف 6 : 518.

(5) في المطبوعة: "كأنه عطف من" بحذف الباء ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.

(6) قوله: "فعلا" أي مصدرًا.

(7) في المطبوعة: "لأنه من خلاف النجوى" ، والصواب المحض من المخطوطة.

(8) هو النابغة الذبياني.

(9) مضى الشعر وتخريجه وتمامه فيما سلف 1 : 183 ، 523 ، وهو في معاني القرآن للفراء 1 : 288.

(10) هو جران العود النميري.

(11) ديوانه: 52 ، سيبويه 1 : 133 ، 365 ، معاني القرآن للفراء 1 : 288 ، ومجالس ثعلب: 316 ، 452 ، الخزانة 4: 197 ، والعيني (هامش الخزانة) 3 : 107 ، وسيأتي في التفسير: 12: 28 / 27 : 39 (بولاق) ، ثم في مئات من كتب النحو والعربية. ورواية هذا الشعر في ديوانه:

قَــدْ نَــدَعُ المَــنْزِلَ يــا لَمِيسُ

يَعْتَسُّ فيـــه السَّــبُعُ الجَــرُوسُ

الـــذِّئْبُ، أو ذُو لِبَـــدٍ هَمُـــوسُ

بَسَابِسًـــــا، لَيْسَ بِــــهِ أَنِيسُ

إلا اليَعَـــــــــافِيرُ وَإلا العِيسُ

وَبَقَــــرٌ مُلَمَّـــــعٌ كُنُـــوسُ

كَأَنَّمَـــا هُــنَّ الجَــوَارِي المِيسُ

"يعتس": يطلب ما يأكل ، "الجروس" هنا الشديد الأكل ، وأخطأ صاحب الخزانة فقال: "من الجرس ، وهو الصوت الخفي" ، وليس ذلك من صفات الذئب ، وحسبه عواؤه إذا جاع ، نفيًا لوصفه بخفاء الصوت! ، وقد بين في البيت الثالث أنه يعني"الذئب". و"ذو لبد" هو الأسد و"اللبدة" ما بين كتفيه من الوبر."هموس" من صفة الأسد ، يقال تارة: هو الذي يمشي مشيًا يخفيه ، فلا يسمع صوت وطئه. ويقال تارة أخرى: شديد الغمز بضرسه في أكله. وهذا هو المراد هنا ، فإنه أراد ذكر خلاء هذه الديار ، وما فيها من المخاوف."بسابس" قفار خلاء. وأما رواية: "وبلدة" فإن"البلدة" هنا: هي الأرض القفر التي يأوى إليها الحيوان. و"اليعافير" جمع"يعفور" ، وهو الظبي في لون التراب. و"العيس" جمع"أعيس" وهو الظبي الأبيض فيه أدمة."كنوس" جمع"كانس" ، وهو الظبي أو البقر إذا دخل كناسه ، وهو بيته في الشجر يستتر فيه. و"الميس" جمع"ميساء" ، وهي التي تتبختر وتختال كالعروس في مشيتها.

ثم انظر الخزانة ، ومجالس ثعلب. وانظر ما سلف كله في معاني القرآن للفراء 1 : 287 ، 288.

المصدر: النص الرقمي من Quran.com

تفسيرها في: السعدي · البغوي · ابن كثير · القرطبي