الجامع لأحكام القرآن — القرطبي
قوله : وبرزوا لله جميعا أي برزوا من قبورهم ، يعني يوم القيامة . والبروز الظهور . والبراز المكان الواسع لظهوره ; ومنه امرأة برزة أي تظهر للناس ; فمعنى ، برزوا ظهروا من قبورهم . وجاء بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، واتصل هذا بقوله : وخاب كل جبار عنيد أي وقاربوا لما استفتحوا فأهلكوا ، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعا لا يسترهم عنه ساتر . " لله " لأجل أمر الله إياهم بالبروز .فقال الضعفاء يعني الأتباعللذين استكبروا وهم القادة .إنا كنا لكم تبعا يجوز أن يكون " تبع " مصدرا ; التقدير : ذوي تبع . ويجوز أن يكون جمع تابع ; مثل حارس وحرس ، وخادم وخدم ، وراصد ورصد ، وباقر وبقر .فهل أنتم مغنون أي دافعون عنا من عذاب الله من شيء أي شيئا ، و " من " صلة ; يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع .قالوا لو هدانا الله لهديناكم أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه . وقيل : لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها . وقيل ; لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه ." سواء علينا " هذا ابتداء خبره " أجزعنا " أي : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص أي من مهرب وملجأ . ويجوز أن يكون بمعنى المصدر ، وبمعنى الاسم ; يقال : حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا ; والمعنى : ما لنا وجه نتباعد به عن النار . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة [ ص: 311 ] عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص . وقال محمد بن كعب القرظي : ذكر لنا أن أهل النار يقول بعضهم لبعض : يا هؤلاء ! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ; فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا ; فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا ; فطال صبرهم فجزعوا ، فنادوا : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص أي منجى ، فقام إبليس عند ذلك فقال : إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكميقول : لست بمغن عنكم شيئا وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل الحديث بطوله ، وقد كتبناه في كتاب التذكرة بكماله .
المصدر: النص الرقمي من Quran.com